أبو علي سينا

تصدير 36

الشفاء ( المنطق )

إن ابن سينا ينكر تماما قول من يذهب إلى منفعة الجدل في تحصيل مبادئ العلوم . وفي ذلك يقول بصراحة : « ولا تلتفت إلى ما يقال : إنه لما كانت المبادئ للعلوم لا مبادئ لها ، فلا قياسات من مقدمات حقيقية صادقة برهانية عليها ، فلا بد من أن نقيس عليها من مقدمات مشهورة . فإنه ليس تقع الصناعة الجدلية في ذلك من هذه الجهة . . . » « 1 » . ذلك أن مبادئ العلوم بيّنة بأنفسها ، وهي أوضح من الجدليات ، وليس على المعلم إلا أن يحيل المتعلم لها على شهادة الحس ، والتجربة ، والثقات . أما البيّنات بنفسها فإن لها طريقا آخر خلاف طريق الجدل ، وفي علم آخر « 2 » . إن فائدة الجدل الحقيقية - في رأى ابن سينا - ليست في إقناع كل مخاطب ، بل في تحصيل القدرة على إثبات ما يحاول الجدلي إثباته ، وإبطال ما يحاول إبطاله « 3 » . المواضع : إن الذي دعا إلى القول بمنفعة الجدل في العلوم ، أنه يعتمد على « المواضع » التي سمى كتاب أرسطو باسمها . وسبق أن ذكرنا صعوبة المقصود بالموضع . وقد واجه ابن سينا هذه الصعوبة ، واجتهد في حلها . وكان يعرف أن كتاب الجدل يسمى بالمواضع « 4 » ، وعرف الموضع بأنه : « حكم منفرد من شأنه أن تتشعب منه أحكام كثيرة تجعل كل واحد منها جزء قياس . مثل قول القائل : إنه إن كان الضد موجودا لشيء ، فضده سيكون موجودا لضد الشيء . فهذا حكم مشهور . . . » « 5 »

--> ( 1 ) الجدل ، ص 50 . ( 2 ) الجدل ، ص 51 . ( 3 ) الجدل ، ص 53 . ( 4 ) الجدل ، ص 38 . ( 5 ) الجدل ، ص 38 .